الخطيب الشربيني

610

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

على تشبيه قدودهم بالأعمدة . وقيل : ذات البناء الرفيع وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى : أنها ذات أساطين وروي أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال : أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة ، وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت ، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله تعالى عليهم صيحة من السماء فهلكوا . وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثم وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث إلى كعب فسأله فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال : هذا والله ذلك الرجل . وقوله تعالى : الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ صفة أخرى لإرم فإن كانت للقبيلة فلم تخلق مثل عاد في البلاد عظم أجرام وقوّة . قال الزمخشري : كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع ، وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها فيقلبها على الحي فيهلكهم . وروي عن مالك أنه كانت تمرّ بهم مائة سنة لا يرون فيها جنازة . وإن كانت للبلدة فلم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا ، والمقصود من هذه الحكاية زجر الكفار فإنّ الله تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه ، فلأن تكونوا مثل ذلك أيها الكفار إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم أولى وقد ذكركم الله تعالى ثلاث قصص هذه القصة الأولى . وأما الثانية : فهي في قوله تعالى : وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا ، أي : قطعوا الصَّخْرَ جمع صخرة وهي الحجر واتخذوها بيوتا كقوله تعالى : وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [ الشعراء : 149 ] . بِالْوادِ ، أي : وادي القرى ، قيل : أول من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود ، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة . وقيل : سبعة آلاف مدينة كلها من الحجارة . تنبيه : أثبت الياء ورش وابن كثير وصلا ، وأثبتها وقفا ابن كثير بخلاف عن قنبل . وأما القصة الثالثة : فهي في قوله تعالى : وَفِرْعَوْنَ ، أي : وفعل بفرعون ذِي الْأَوْتادِ واختلف في تسميته بذلك على وجهين : أحدهما : أنه سمي بذلك عل كثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا . والثاني : أنه كان يتد أربعة أوتاد يشدّ إليها يدي ورجلي من يعذبه وعن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إنّ فرعون إنما سمي ذا الأوتاد لأنه كانت امرأة وهي امرأة خازنه حزقيل ، وكان مؤمنا كتم إيمانه مائة سنة وكانت امرأته ماشطة بنت فرعون فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذا سقط المشط من يدها فقالت : تعس من كفر بالله ، فقالت بنت فرعون : وهل لك إله غير أبي ؟ فقال : إلهي وإله أبيك وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له فقامت فدخلت على أبيها وهي تبكي ، قال : ما يبكيك ؟ فقالت : الماشطة امرأة خازنك تزعم أنّ إلهك وإلهها وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له ، فأرسل إليها فسألها عن ذلك ، فقالت : صدقت . فقال لها : ويحك اكفري بإلهك وأقرّي بأني إلهك ، قالت : لا أفعل فمدّها بين أربعة أوتاد ثم أرسل عليها الحيات والعقارب ، وقال لها : اكفري بالله وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين فقالت له : لو عذبتني